Prof. Khalid Al-Shafi
برحيل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تطوي دولة قطر صفحة مضيئة من صفحات تاريخها الحديث، وتودع قائدا وهامة ورمزا وطنيا استثنائيا لم يكن مجرد حاكم قاد مرحلة من الزمن، بل كان صاحب رؤية ومشروع وطني بعيد المدى، وذو إرادة صلبة صنعت التحول ورسخت مكانة الدولة بين الأمم
لقد ارتبط اسم الأمير الوالد ببناء قطر الحديثة، وبالنهضة الشاملة التي شهدتها البلاد على مختلف الأصعدة. فمنذ توليه مقاليد الحكم، وضع الإنسان القطري في قلب التنمية الشاملة، وأدرك أن بناء الأوطان لا يقوم على الثروة وحدها، بل على التعليم والمعرفة والهوية والثقة بالمستقبل
ومن هنا انطلقت مرحلة جديدة نقلت قطر من دولة محدودة الحضور إلى دولة مؤثرة في جميع الجوانب بالمحافل الدولية
وفي عهده، أحسنت قطر استثمار مواردها الطبيعية، لا سيما الغاز الطبيعي، فغدت واحدة من أكبر القوى العالمية في إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال، وهي طفرة أسهمت في بناء اقتصاد قوي، وتطوير بنية تحتية، وتحسين مستوى المعيشة للمواطن والمقيم على حد سواء. وقد فتحت رؤيته آفاق واسعة أمام التنمية والاستثمار، جعلت من قطر دولة محورية تلتقي عندها مصالح دول العالم
ومن الصعوبة بمكان تعداد انجازات سموه ولكن لابد من تقديم إشارات عابرة لبعض منها فكان التعليم أحد أبرز ميادين مشروعه النهضوي. فقد شهدت البلاد في عهده تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، التي أصبحت منارة للعلم والبحث والابتكار، وجسرا يربط قطر بأهم الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في العالم. كما شجع على الاستثمار في الثقافة والبحث العلمي، إيمانا منه بأن قوة الدول لا تقاس بالثروات التي حباها بها الله وحدها، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وصناعة الأجيال
وفي المجال الإعلامي، ارتبط عهده بانطلاق شبكة الجزيرة، التي تحولت إلى واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية في العالم، وأسهمت في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي العربي، ومنحت المنطقة صوتا حاضرا في القضايا الدولية. كما شهدت الدولة تأسيس جهاز قطر للاستثمار، الذي وسع الحضور الاقتصادي للدولة عالميا، وحول الفوائض المالية إلى استثمارات استراتيجية تدعم مستقبل الأجيال
ومن بين الإنجازات التي ستظل خالدة في سجل عهده، نجاح قطر كأول دولة عربية إسلامية تفوز بحق استضافة كأس العالم FIFA 2022، وهو حدث لم يكن مجرد إنجاز رياضي، بل إعلانا عن قدرة دولة عربية صغيرة في مساحتها، كبيرة بطموحها، على تنظيم أكبر الأحداث العالمية. وقد مهد هذا الفوز لتحولات واسعة في البنية التحتية والنقل والرياضة والسياحة، ورسخ الحضور الدولي لقطر
وعلى الصعيد الخارجي، رسخ الأمير الوالد مكانة قطر كدولة للحوار والوساطة والسلام. فقد أدت الدوحة أدوارا بارزة في معالجة أزمات إقليمية ودولية، ونجحت في تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاعات في لبنان ودارفور والسودان وإريتريا وأفغانستان، وبين الفصائل الفلسطينية. وكان يؤمن بأن الدبلوماسية الهادئة، والحوار المباشر، والوساطة النزيهة، أدوات قادرة على فتح أبواب السلام حيث تعجز القوة
كما ظل دعمه للقضية الفلسطينية ثابتا وأصيلا، انطلاقا من إيمانه بعدالتها وارتباطها بوجدان الأمة. وقد تجسد هذا الدعم في مواقف سياسية وإنسانية وتنموية، جعلت اسمه حاضرا في ذاكرة الشعب الفلسطيني، حيث حملت مؤسسات ومرافق اسمه تقديرا لدوره ومساندته
ولعل واحدة من أسمى صور حكمته السياسية كانت قراره التاريخي عام 2013 بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. فقد قدم بذلك نموذجا نادرا في الانتقال السلس والمسؤول للسلطة، وأكد أن بناء الدولة أقوى من الارتباط بالأشخاص، وأن استمرارية المؤسسات هي الضمان الحقيقي لاستقرار الأوطان
اليوم، لا ترثي قطر قائدا سابقا فحسب، بل تودع مؤسس مرحلة، وصانع تحول، ورجل دولة غيّر مسار تاريخ وطنه. إرثه حاضر في كل شي وفي الثقة التي باتت قطر تتمتع بها على الساحة الدولية
سيبقى سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في ذاكرة القطريين والمقيمين رمزا للقيادة الحكيمة، والعزيمة، والرؤية، والإيمان بقدرة قطر على أن تكون أكبر من حدودها الجغرافية
لقد بنى نهضة، وأرسى دعائمها، وفتح للأجيال أبوابا للمستقبل. وسيظل التاريخ يذكره بوصفه باني قطر الحديثة، وأحد أبرز قادة المنطقة في العصر الحديث. وستواصل دولة قطر، بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه ، السير على النهج الذي أرساه الأمير الوالد عليه رحمة الله، مستكملةً مسيرته الوطنية ورؤيته الطموحة في بناء وطنٍ عزيزٍ، مزدهرٍ، ينعم بالأمن والاستقرار، ويواصل ترسيخ مكانته إقليميا ودوليا، بما يحقق تطلعات شعبه نحو عالم أكثر ازدهارا وتقدما